الشيخ عبد الغني النابلسي

299

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

جذع النخلة نقرة في الأرض صغيرة مزمّكة أيضا بالذهب وعليها القناديل من الذهب أيضا ، مشعولة في جميع الحالات . قال البيضاوي : وكانت النخلة يابسة لا رأس ولا ثمرة ، وكان الوقت شتاء ، انتهى ، ولعلّ تلك المغارة هي المكان القصيّ الذي قال اللّه تعالى فيه فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا « 1 » حيث كانت الولادة فيها وكان جذع النّخلة فيها ، وهي المراد بوراء الجبل الذي ذكره البيضاوي ، حيث قال في قوله تعالى « مَكاناً قَصِيًّا » بعيدا من أهلها وراء الجبل ، وأقصى الدار ، انتهى ، ولم يقل المغارة لاحتمال أنّهم بنوها بعد ذلك فهي على شكل المغارة ، ولعلّ دارها التي كانت تسكن فيها مع زكريا عليه السلام كانت هناك ، حيث كفلها وقام بمصالحها ، واللّه أعلم بحقائق الأحوال . ثم خرجنا وذهبنا إلى مسجد هناك في قرية بيت لحم يقال إنّه مسجد عمريّ ، فدخلنا إليه بجماعتنا ، وصلينا صلاة الظهر ، وحصلنا على كمال النظافة والطهر ، ودعونا اللّه تعالى بأنواع الأدعية ، وامتلأت لنا بالمثوبات الأوعية ، وهذه القرية قرية بيت لحم ، نصف أهلها القاطنين بها / مسلمون ، والنّصف نصارى ، ومن عادتهم أنّهم يصنعون المسابح من خشب الزيتون ، ويخرطونها على أنواع مختلفة ويبيعونها للزوّار ، فوقفوا لنا على حافّة الطريق وفي أيديهم أشياء من ذلك كثيرة يبيعونها ، فاشترينا منهم نحن وجماعتنا لأجل التبرّك ، ما يسّره اللّه تعالى ، وصحبناه معنا إلى الشام ، ثم ركبنا على الخيول ، نرتجي من اللّه تعالى غاية القبول ، حتى مررنا على مزار الشيخ أحمد الثوري المشهور بأبي ثور ، المتقدم ذكره ، والفائح في طي هذه الصحيفة نشره ، وكان الوقت وقت العصر ، وليس هناك أحد في ذلك المزار المفرّج عن الضيق والحصر ، فلما أقبلنا على ذلك المزار ، شعل قنديله واستنار ، فدخلنا إلى داخل هاتيك الحضرة ، ووقفنا نقرأ الفاتحة وندعو اللّه تعالى لجميع المسلمين

--> ( 1 ) سورة مريم / 22 .